العلامة المجلسي
148
بحار الأنوار
قال بعض المحققين : معنى الجاه ملك القلوب ، والقدرة عليها ، فحكمها حكم ملك الأموال ، فإنه غرض من أغراض الحياة الدنيا ، وينقطع بالموت كالمال ، والدنيا مزرعة الآخرة ، فكلما خلق الله في الدنيا فيمكن أن يتزود منه إلى الآخرة ، وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس ، فلا بد من أدنى جاه ، لضرورة المعيشة مع الخلق ، والانسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام والمال الذي يبتاع به الطعام ، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ، ورفيق يعينه ، واستاد يعلمه ، وسلطان يحرسه ، ويدفع عنه ظلم الأشرار . فحبه أن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم ، وحبه لان يكون في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم ، وحبه لان يكون في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس بمذموم ، وحبه لان يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم ، فان الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال . فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين ، بل ينزل ذلك منزلة حب الانسان أن يكون في داره بيت ماء لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته وبوده لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء ، وهذا على التحقيق ليس بحب لبيت الماء ، فكل ما يراد به التوصل إلى محبوب ، فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه . وتدرك التفرقة بمثال ، وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث إنه يدفع بها فضلة الشهوة ، كما يدفع ببيت الماء فضلة الطعام ، ولو كفي مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته ، كما لو كفي قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء ، ولا يدور به ، وقد يحب زوجته لذاتها حب العشاق ، ولو كفي الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها .